• Home
  • /
  • Arabic
  • /
  • الفيل الأزرق.. بين العلم والخرافة

الفيل الأزرق.. بين العلم والخرافة

تم الاعلان منذ أيام عن انطلاق التحضيرات للجزء الثاني من فيلم “الفيل الأزرق”، والمأخوذ عن رواية بالاسم ذاته للكاتب والسيناريست أحمد مراد. جاء ذلك بعدما حققت الرواية انتشارًا واسعًا بين القراء بمجرد طرحها في المكتبات، وتبع هذا النجاح ترشيح الرواية لجائزة البوكر الشهيرة ووصولها إلى القائمة القصيرة بها عام ٢٠١٤، مما أكسبها اعترافًا بقيمتها كعمل فني له وزنه. هذا النجاح الذي ربما أدى لوصول القصة لشاشة العرض الذهبية بعد عامين فقط من نشرها. وجب التنويه أن الرواية صدرت عن دار الشروق المصرية. ومنذ ذلك الحين وهي تتصدر قوائم الأعلي مبيعًا.


قصة الفيلم تدور حول يحيى الطبيب النفسي البارع، والذي أدى حادث وفاة زوجته وابنته لانعزاله الكامل وتقاعده لمدة خمس سنوات دون مزاولة المهنة ولو من باب الممارسة. تتكشف شخصية يحيى المنعزلة والوحيدة من خلال المواقف المختلفة حتى يتم استدعاؤه مرة أخرى في قضية تخص صديق عمره شريف الكردي، المتهم بقتل زوجته بطريقة بشعة لا تتناسب مع شخصيته الهادئة البسيطة التي عرفها يحيى منذ سنوات. ومن خلال الأحداث نكتشف علاقة يحيى بأخت شريف: لبنى، قصة حبه القديمة، والذي وقف تعنت عائلتها، بمن فيهم شريف، حائلًا أمام استكمالها، ليبتعد يحيى عنها نهائيًا. وبمجيء تلك الحادثة يجد يحيى نفسه، بداعي الصداقة والحب، منخرطًا في قضية متشابكة ومعقدة تودي به إلى خط فاصل بين الواقع والخيال مختلطًا بالتحليل النفسي لشريف الذي بدا وكأنه فقد كل قدرته على التفكير المنطقي، فضلًا عن تلاشي شخصيته القديمة، وظهور شخصية أكثر شرًا وخبثًا مما اعتقده يحيى. ثم تبدأ الأحداث في التصاعد في جو من الغموض والسحر والجريمة والتاريخ.الفيلم من بطولة كريم عبدالعزيز، ونيللي كريم، وخالد الصاوي، ولبلبة.


أهمية الفيلم تنبع من كونه يذهب بعيدًا في العلاقة بين العلم والخرافة وتضادهما، أي أنه ورغم ما توصل إليه العلم من حلول، فقد يواجه أكثر العلماء رسوخًا في مجالاتهم عناء الاصطدام بما لا يستطيعون تفسيره. من هنا تتجلى الحرب الدائرة ليس بين المنطق واللامنطق فقط، بل بين الماضي والحاضر، وبين الرغبة في التقدم والتخلص من الأساطير، وبين ركون الناس لظواهر خارقة لا تستدعي تفسيرًا.

علم النفس بين تطور المجتمع وتجارب الماضي:

تجلَّت أهمية علم النفس، وبدأت تأخذ حيزها كعلم مستقل منذ نظريات فرويد الفريدة، والتي تم مقابلتها وقتها برفض شديد بل وباتهام بأنها نظريات “شاذة وخارجة لا تصدر إلا من مضطرب”. ومع الوقت بدأت تلك النظريات تتشكل في وعي من اتبعه من تلاميذ كـ “كارل چوستاف يونج” الذي تشرب منه نظرياته جميعها بعد إحداث ثورة في المجتمع الغربي حتى باتت تلقى قبولًا واسعًا من المجتمع العلمي وتتفرع كمجال يتم تدريسه في أرقى كليات العالم.

ربما يبدو الفيلم كعمل ينتصر للخرافة على حسب العلم، لكنه، خلال خيط خفي، يوضح حقيقة الصراع الأزلي بين متضادين أحدهما لا يُكتَب له الانتصار على الآخر في النهاية. بمعنى أنه سيستمر النزاع الدائم بين الخير والشر، القبح والجمال، الخرافة والميل العلمي لتفسير الماورائيات. وربما من هنا تتسابق معظم الأعمال الفنية على توضيح خيوط التعقد الدقيقة بين المتناقضات المختلفة كـ “فاوست” للكاتب الألماني الأشهر “جوته” صانعة من الصراع حبكة طويلة لا يتم فيها مباغتة طرف لآخر.

تجربة الفيل الأزرق:

تقوم مايا، الشخصية الأقل ظهورًا في حياة يحيى لكنها الأكثر تأثيرًا في الأحداث، بعرض حبة زرقاء جديدة في الأسواق على يحيى، صُنعَت خصيصًا لتضع الإنسان في تجربة المرور بالموت، وهي تحتوي على مادة يفرزها العقل أثناء عملية الوفاة فتهيئه للعالم الآخر، هذا على حد قول مايا. وسميّت الحبة باسم “الفيل الأزرق”. ينصاع يحيى كليًا لعرض مايا الغريب والجذاب في نفس الوقت، ليدخل الطبيب النفسي المحب للتجربة رحلة في عالم آخر تمامًا، هلاوس لا نهاية لها لا تلبث أن تختفي حتى تحل مكانها هلوسات أكثر عمقًا وحيرة. وفي خلال ذلك يفقد يحيى قدرته على التحكم في تصرفاته، بل لا يسعه تذكرها بمجرد أن  يستيقظ في الصباح حتى أنه، في المرة الأولى، يجد مايا وقد تم الاعتداء عليها من قِبله خلال ذروة غيابه في مفعول الكيمياء المخدرة. يحتفظ يحيى بحبتين لحين ظهور لبنى في الأحداث، تجد لبنى نفسها في مواجهة حبيبها القديم، هو ذاته الطبيب المختص بتقييم حالة أخيها شريف العقلية للنظر في طبيعة ما سيفرض عليه من عقوبات طبقًا للتقرير الذي سيرسله للجنة الاطباء.


خلال ذلك يسترجع يحيى مع لبنى كل ما عاشاه في الماضي، وكيف أنهما كان بإمكانهما بناء حياتهما معًا بسعادة دون مشاكل. وفى الناحية الأخرى يبدأ شريف في التلاعب بيحيى. هذه شخصية أخرى لا يمكن أن تكون شريف الذي عاشره يحيى في الجامعة، بل ويدري إلى أي حد ممكن أن تصل تصرفات شريف الغريبة، والتي لن تتعدى في اغلب الأحيان التهديدات التي لن ينفذ منها أي شيء. لكنه يصبح في مواجهة شخص غريب، يحدثه تارة عن الشر الكامن فيه وعن تاريخه بالكامل ويعرض عليه تساؤلات لا طائل منها سوى أنها أصبحت تربكه بشدة بعد أن كان قد قرر المحافظة على هدوئه تمامًا أمامه ليستطيع إنقاذه. يكتشف يحيى، بسؤال المحققين، بشاعة ما ارتكبه شريف في حق زوجته، جريمة وحشية لا تخرج إلا من متوحش، لأن المرضى قد يعون حجم ما سيقع عليهم من عقاب. أما شريف فقد اخترع تكنيكًا نفسيًا بامتياز، أصبح شخصًا يعي حجم كلماته التي بدأت تهز كيان يحيى وتفرض عليه حالة من التخبط والتعجب. ومن هنا تبدأ رحلة يحيى في البحث وراء الخيوط، والتي تتضمن قميصًا تاريخيًا يعود للخليفة المأمون وقد تمت سرقته من المتحف مؤخرًا، ومرة بظهور كيان أسود ليحيى على هيئة كلب ضخم، ومرات أخرى تصله اتصالات من شخص مجهول يخبره بأدق أفعاله وما قام به وما سيقوم بفعله، ووشم سحري ممنوع عند أغلب من داقي الوشوم. حتى تنتهي الأحداث على مفاجأة غير متوقعة بعدما أنهكت قوى يحيى بالكامل، وربما أحس معها بالحياة تعود إليه من جديد.

تحول سينمائي ملحوظ:

رأى بعض المشاهدين العاديين و النقاد المتمرسين أن الفيل الأزرق يعتبر خطوة مهمة في تاريخ السينما المصرية لما حمله من طابع خاص ومتفرد، بعد موجة عادية من الأفلام التجارية، وبعض الأفلام الكوميدية الرائجة. خلطة استطاع بها أحمد مراد ومروان حامد، تقديم وجبة سينمائية جيدة خارجة عن المألوف، وفي الوقت ذاته عملت على أن تشبع المتفرج ذهنيًا وثقافيًا من خلال الصراع الذي يتم أمامه.

الفيل الأزرق 2:

يضع الثنائي مراد وحامد، نفسيهما أمام تحدي صعب في محاولة صنع الجزء الثاني من الفيلم والذي يتوقع أن يظهر على الشاشات في أواخر عام 2019، بعد أن حملت الفنانة نيللي كريم الخبر السعيد لجمهورها عبر “ذا انسايدر بالعربي” على “قناة دبي” بالتحضير للجزء الثاني والذي بدأ منذ أكتوبر الماضي، ويأتي ذلك بالتزامن مع عودة كريم عبد العزيز للسينما بفيلم ” نادي الرجال السري”

يمكنك الآن الاشتراك في Sling TV بالعربية والاستمتاع بمشاهدة أفلامك المفضلة!